عطارة: قرية النباتات البرية العطرية

تقوم قرية عطارة على مسافة 15كم شمالي غربي مدينة رام الله، وتطل مباشرة على الساحل الفلسطيني، حتى ليمكن للناظر في يوم صاف رؤية السفن الراسية في عرض البحر المتوسط إلى الغرب، ورؤية جبل الشيخ إلى الشمال، وأقرب القرى إلى عطارة هي بلدة بيرزيت. لا شك أن الاسم عطارة مشتق من العطر، وربما أطلق على القرية لكثرة الأزهار والنباتات البرية العطرية فيها، وخاصة النرجس البري، والياسمين، التي ربما تكون قد استخدمت لاستخراج العطور في القرية قديماً، والحقيقة أن الأزهار والنباتات البرية ما زالت تعبق بروائحها العطرية الزكية جبال القرية اليوم، وخاصة في الربيع، وأهم هذه النباتات والزهور: النرجس، والياسمين، ومشيط العروس، وكذلك الميرمية، والشومر، وحنون الخيل، واللبيدة، والزعتر، وزعتر البيض، وثومة العرب، والجعدة، وقليعة سيدنا موسى (البابونج). 

تشير الدلائل والمسوح الأثرية رغم قلتها إلى ازدهار القرية في الفترات الرومانية والبيزنطية والعصور الإسلامية اللاحقة، وليس أدل على ذلك من كثرة المباني القديمة في البلدة، وخاصة الكنائس والأديرة والمقامات والآبار العائدة لتلك العصور، وما زال الكثير من هذه الآثار ماثلاً في القرية وحولها حتى اليوم رغم التدمير والعبث الذي تعرضت له عبر العصور المختلفة، فقد اكتشف عام 2000 قبراً بيزنطياً يحتوى على مجموعة كبيرة وغنية من القطع الفخارية تشمل عشرات الأسرجة الجميلة التي رسمت عليها الصلبان ونقوش أخرى، وهي تعود لأواخر الفترة الرومانية وبداية العهد المسيحي، وأساور فضية وقطع أثرية أخرى محفوظة اليوم بمتحف دائرة الآثار في رام الله. 

لقد تأثرت القرية كثيراً بالأحداث المأساوية التي عصفت بفلسطين طوال القرون الماضية وخاصة في القرن العشرين وبدايات القرن الحالي، فما كاد أهالي القرية يرتاحون من جباة الضرائب الأتراك حتى وقعوا في قبضة جيش الانتداب البريطاني القاسية، ومؤامرات الحركة الصهيونية، فكانت الثورات والحروب التي أفقرت أهالي القرية وأجبرت الكثيرين منهم على الهجرة، ثم جاءت نكبة عام 1948 لتجد القرية نفسها ترزح تحت ضغط مئات الأسر اللاجئة التي لا طاقة للقرية في استيعابها، مما دفع بالمزيد منهم للهجرة بحثاً عن لقمة عيش كريمة عزت عليهم في بلدهم، وتوج كل ذلك عام 1967 باحتلال إسرائيلي قاهر يدمر كل ما هو جميل هذه البلدة الجميلة والمسالمة، مما حال بينها وبين الإفادة من مقدراتها البشرية والمادية، ومن إرثها الحضاري الغني.