مقام الشيخ القطرواني: أعجوبة بناء الملائكة للقباب

بناء صغير ومقبب لا تزيد مساحته على أربعين متراً مربعاً، يقع على رأس جبل يحمل اسمه، عند المدخل الجنوبي لبلدة عطارة، وعلى يسار الشارع القادم من مدينة رام الله عبر بيرزيت، يتوسط المقام حرجاً جميلاً تكثر فيه أشجار البلوط والخروب، ويشرف على الساحل الفلسطيني، تعود ملكية مقام الشيخ القطرواني الذي يعتبر مكاناً مقدساً للمسلمين اليوم، لدائرة الأوقاف الإسلامية، وهو جزء من ظاهرة شهدتها فلسطين ابتداءً من فترة الحروب الصليبية وهي بناء المقامات لأولياء الله الصالحين من رجال الدين والعلم والجهاد، وهناك الكثير من هذه المقامات اليوم في عطارة والقرى المجاورة، ومن أهم هذه المقامات: مقام النبي صالح، والخواص والرفاعي في منطقة بني زيد، ومقام يوسف في سردا، ومقام النبي يوسف في بلاطة -نابلس، ومقام النبي موسى في منتصف الطريق بين القدس وأريحا، وهو من أهم المقامات وأكبرها في فلسطين. 

يعتقد أن مقام القطرواني قد شيد على أنقاض كنيسة أو دير بيزنطي يعرف بدير سانت كاثرين، والحقيقة أن أساسات هذا الدير القديم وأعمدته ما زالت ماثلة حتى اليوم، كما أن حجارته قد أعيد استخدامها في بناء المقام نفسه، من المؤكد أن الكنيسة أو الدير كان أكبر من المقام الحالي، الذي يبدو أنه شيد على الزاوية الجنوبية للدير فقط. وللمقام قبتان منتظمتان ومتساوتان في الحجم تقريباً، وباب واحد من الجهة الشمالية، يقود إلى غرفتين صغيرتين معقودتين، وفي الخارج درج يوصل إلى سطح المقام، ليس في داخل المقام ضريح، ولكن حوله عدد من القبور القديمة والحديثة، بعضها مدمر، وبعضها الآخر بحالة جيدة، وكما هو الحال في مقام النبي موسى والمقامات الأخرى في فلسطين دأب المسلمون على التوصية بدفنهم أو دفن موتاهم في محيط المقام بسبب قدسية المكان، ويقال إن بعض القبور حول المقام، أو أحدها على الأقل هو لراعي المقام، أو القيم عليه، وهناك العديد من آبار الجمع القديمة، والكهوف، وأساسات لعدد من البنايات الأخرى التي ربما كانت ملحقة بالكنيسة التي مثلت في يوم من الأيام قلب الدير، وربما كان أحد هذه الأساسات لبرج مراقبة بجانب الكنيسة، وبعضها الآخر مساكن للرهبان.

 يقول أهالي عطارة إن الشيخ القطرواني الذي ينسب المقام إليه، يعود بأصوله إلى قرية قطرة شمالي قطاع غزة، ولكن المصادر المسيحية ترى أن الاسم قطرواني هو تحريف لاسم دير قديم هو "سانت كاترين" الذي شيد المقام على أنقاضه، وتمضي الرواية الشعبية في القرية تقول: إن هذا الشيخ قد عاش متعبداً في المقام لفترة، وقام بمعالجة العديد من المرضى، وعندما مات دفن في المقام، ولو أنه لا يوجد داخل المقام أي ضريح اليوم، وفي رواية أخرى: إن هذا الرجل الصالح توفي في مكان آخر من فلسطين، وخلال نقل جثمانه إلى بلده الأصلي، توقف الحمالون في هذا المكان، ودفنوا الجثمان فيه. وتقول رواية ثالثة: إن نعشه طار ونزل في هذا المكان ليدفن فيه. أما الرواية التي يعرفها ويتناقلها سكان القرية من جيل إلى جيل عن المقام فهي قصة بناء القباب، ويقولون: إنه بعد أن أتم الأهالي بناء القبة الأولى، عادوا في اليوم التالي ليجدوا أن الملائكة قد بنت القبة الثانية للمقام، وهذه القصة ليست حكراً على أهالي عطارة، لأنها منتشرة في كل القرى التي فيها مقامات مزدوجة القباب، ولكن المثير للانتباه في هذا الأمر أن إحدى القبتين قد بنيت بحجارة كبيرة، في حين بنيت الأخرى بحجارة صغيرة، مما يوحي بأن بناة القبتين مختلفون، وربما يكون التفسير لذلك أن بناة القبة الأولى توقفوا عن البناء لأنهم لم يجدوا حجارة كبيرة لبنائها، فجاء آخرون وبنوها من حجارة صغيرة، للأسف فإن حجارة القبتين قد غطيتا تماماً نتيجة الترميم الأخير للمقام. 

يمكنكم ايضا قراءة المزيد عن المقام من بحث د. حمدان طه .